ابن عطاء الله السكندري
119
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
يعصى اللّه فلا يعصه : إن الذي ينذر أن يمشى إلى الشام أو إلى مصر أو الربذة أو إن كلم فلانا أو ما أشبهه « 1 » فسماه مالك رحمه اللّه معصية ، وفعل هذه الأمور ليست بمعصية ولكن قصده التقرب بها إلى اللّه تعالى واعتقاده أنها مطلوبة معصية ، والإجماع على وفق الخبر أن ناذر الطاعة يلزمه الوفاء بها وناذر الفعل المباح لا يلزمه الوفاء به فإنه يخرج من هذا أنه لا يتصور أن يكون ترك المباح المحض طاعة بوجه وذلك مقطوع به عند كل عاقل . فإن قيل لا ينكر أن ترك المباح المحض ليس مأمورا به ولكننا / ص 5 / نقول : يصح أن يتورع عنه ورعا محمودا بالنظر إلى أن فاعل المباح يطول حسابه في الدار الآخرة وقد جاء : أن حلال الدنيا حساب وحرامها عذاب ، وفي حديث بعض الصحابة أتى بشيء يتناوله فقال اعزلوا عنى حسابها . والعاقل يعلم أن طول الحساب نوع من العذاب وأن سرعة الانصراف من الموقف إلى الجنة من أعظم المقاصد فيتورع عن المباح لتحصيل هذا الغرض الصحيح . فنقول هذا غير صحيح لأوجه : الأول : إنما تكلمنا على الورع المأمور به شرعا الذي يكون المكلف بفعله مطيعا للّه تعالى وإذا اعترف الخصم بأن الانكفاف عن المباح المحض ليس بطاعة فقد سلم المسألة وكفانا المؤنة ولسنا نقصد في هذه المسألة إلا هذا . الثاني : إن المصير إلى أن فاعل المباح يطول حسابه دون تاركه غلط وتناقض أما بيان التناقض فإنه إذا تمسك بأن حلالها حساب ثم قضى بأن التارك لا يحاسب وهو آت بحلال فقد صار الحلال سببا لطول الحساب وغير سبب لطول الحساب فطول الحساب لم ينط به إلا من جهة كونه حلالا فلا يخفى تناقض هذا الكلام ، وأما الوجه الآخر فكما يحاسب فاعل المباح على فعله فكذلك يحاسب تارك المباح على تركه لتحقق استواء النسبة شرعا وكون الترك فعلا على الحقيقة عقلا . الثالث : إن الحساب ليس عذابا مطلقا ولو كان الحساب على الأعمال يثبت ورعا عن الإقدام عليها للزم أن يقع الانكفاف عن الطاعات لأنها كلها مسؤول عنها وقد قال تعالى : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) [ الأعراف : 7 ] فقد سئل الرسل عن الرسالة وتبليغ الشريعة / ص 6 / ولا يكون هذا مانعا من الإتيان بذلك وكذلك القول في جميع العبادات وسائر الممنوعات والمباحات وقد قال تعالى : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ
--> ( 1 ) في الموطأ ( 2 / 30 ) .